شهدت فرنسا مساء الاثنين 8 سبتمبر 2025 انهيار حكومة رئيس الوزراء فرانسوا بايرو بعد تصويت حجب الثقة في الجمعية الوطنية. إذ صوّت 364 نائبًا ضد الحكومة مقابل 194 نائبًا منحوه الثقة، ما سيجبره على إعلان استقالته أمام الرئيس إيمانويل ماكرون في اليوم التالي. استمرت ولاية بايرو تسعة أشهر فقط، وكان قد ربط مصير حكومته ببرنامج تقشف هدفه خفض العجز وتطويق الدين العام الذي بلغ 3.346 تريليون يورو، ما يعادل 114% من الناتج المحلي.
انطلقت هذه الأزمة عندما بادر بايرو نفسه إلى تفعيل المادة 49‑1 من الدستور في 25 أوت، طالبًا تصويت ثقة على حكومته. وقد أراد بذلك إنهاء حالة الجمود البرلماني وإقرار مشروع ميزانية 2026 الذي تضمن خفضًا للإنفاق بقيمة 44 مليار يورو على مدى ثلاث سنوات تشمل تقليصات في التقاعد والرعاية الصحية. لكن هذا القرار بدا مقامرة خاسرة، إذ وحّد قوى اليسار واليمين في البرلمان ضده، فاستغلّت المعارضة الفرصة للتصويت على إسقاط حكومته. أما داخليًا، فقد أثار المشروع غضبًا شعبيًا بسبب إلغاء يومَي عطلة رسميين وتجميد الأجور، وتحدّث بايرو أمام النواب عن ضرورة التحرّك لمنع فرنسا من الغرق في ديون تراها الحكومة “تهديدًا للوجود”.
تعود جذور هذه الأزمة إلى الانتخابات التشريعية المبكرة في جوان 2024 التي أسفرت عن برلمان بلا أغلبية واضحة. بعد سقوط حكومة ميشال بارنييه في ديسمبر 2024، اختار ماكرون حليفه بايرو رئيسًا للوزراء. ولم يمتلك الأخير قاعدة برلمانية ثابتة، فاضطر في فبفري 2025 إلى استخدام المادة 49‑3 من الدستور لفرض ميزانية عام 2025 دون تصويت والتي هدفت إلى تقليل العجز إلى 5.4% من الناتج عبر خفض الإنفاق بنسبة 2% للمرة الأولى منذ ربع قرن وزيادة الضرائب على الأثرياء والشركات. لكن استخدامه المتكرر لهذه الأدوات الاستثنائية أثار غضب الخصوم وزاد من هشاشة حكومته.
إلى جانب تحفظات المعارضة، ساهم ضعف الأغلبية والتفاهمات بين الكتل في الجمعية الوطنية في تعميق الأزمة. وباتت حكومة بايرو، معلقة بفضل انسحاب بعض حلفائه وتوجس آخرين من خطة التقشف. كما أدت هذه الخلافات إلى انطلاق تحركات اجتماعية؛ فحركة “لنحجب كل شيء” Bloquons Tout دعت إلى إضرابات في 10 سبتمبر، فيما أعلنت النقابات عن يوم إضراب في 18 سبتمبر. هذا التصاعد الاجتماعي يتزامن مع مراقبة وكالات التصنيف الائتماني للوضع المالي في فرنسا، ما يضيف ضغوطًا إضافية على السلطة السياسية.
بعد السقوط، تبرز أمام الرئيس ماكرون خيارات معقدة:
يستطيع تعيين رئيس وزراء جديد من معسكره الوسطي أو من صفوف الاشتراكيين لتشكيل حكومة ائتلافية، لكن نجاح هذا الخيار غير مضمون. اما الخيار الثاني يتمثل في الابقاء على بايرو لتصريف الأعمال ريثما تتبلور أغلبية برلمانية قادرة على تمرير الميزانية قبل نهاية العام. أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر إثارة للجدل، فيكمن في حل الجمعية الوطنية والدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة، وهو مطلب صريح لزعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان التي رأت أن “هذا اليوم يمثل نهاية عذاب الحكومة الشبحية”. غير أن هذا الخيار يحمل مخاطر بتعميق عدم الاستقرار أو تمكين اليمين المتطرف من اكتساب مزيد من النفوذ.
في النهاية، يكشف سقوط حكومة بايرو عن عمق الأزمة المؤسسية في فرنسا وصعوبة الحكم دون أغلبية مستقرة. فالتنازع بين ضرورة ضبط المالية العامة والحفاظ على المكتسبات الاجتماعية أدى إلى مواجهة سياسية حادة. ومع استمرار حالة الانقسام، يبقى مستقبل الإصلاح الاقتصادي غير مؤكد، وتظل احتمالات تعيين حكومة توافقية أو العودة إلى صناديق الاقتراع مفتوحة، فيما تتعقّد مهمة ماكرون في تسيير ملفاته الداخلية والخارجية في آن واحد.