من «التعويل على الذات» إلى انتداب هيرفي رينار: حين تبحث السلطة في كرة القدم عن نصر يعوّض فشل الدولة

من «التعويل على الذات» إلى انتداب هيرفي رينار: حين تبحث السلطة في كرة القدم عن نصر يعوّض فشل الدولة

 لم تكن الهزيمة بخمسة أهداف مقابل هدف أمام السويد مجرد سقوط رياضي ثقيل في افتتاح كأس العالم، ولم يكن الغضب الذي أعقبها مجرد رد فعل عابر لجمهور يحب كرة القدم. ما حدث كشف في تسعين دقيقة، أزمة أوسع من المنتخب ومن المدرب ومن الجامعة التونسية لكرة القدم. لقد ظهرت على أرض الملعب صورة مكثفة لدولة فقدت القدرة على التخطيط، ومؤسسات أُفرغت من القرار، وسلطة تتدخل بعد كل انهيار لتقدم الرئيس في هيئة المنقذ، ومجتمع يبحث في الرياضة عن كرامة رمزية لم يعد يجدها في الاقتصاد أو السياسة أو العدالة.

أُقيل صبري اللموشي بعد مباراة واحدة في المونديال، ووصل هيرفي رينار خلال ساعات لتولي قيادة المنتخب في المباراتين المتبقيتين. تبدو العملية، في ظاهرها، قرارًا فنيًا استعجاليًا يهدف إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكن سرعة التدخل، وحجم الاسم المستقدم، والتسريبات التي تتحدث عن دور مباشر لرئاسة الجمهورية في حسم الصفقة وتيسير جانبها المالي، تجعل المسألة سياسية واتصالية بقدر ما هي رياضية.

لم يكن استقدام رينار يهدف فقط إلى تغيير الخطة أو إعادة ترتيب الدفاع. كان المطلوب، أولًا، إخماد الغضب الشعبي وإقناع الجمهور بأن الدولة استوعبت حجم الإهانة وتحركت فورًا للرد عليها. فالمدرب الكبير يمنح الجمهور شعورًا مبكرًا بالرضا، حتى قبل أن يخوض مباراة واحدة. اسمه وخبرته وصورته المعروفة في أفريقيا وكأس العالم تتحول في حد ذاتها إلى تعويض نفسي عاجل: لقد تلقى المنتخب خمسة أهداف، لكن السلطة جلبت لكم هيرفي رينار.

بهذا المعنى، لم تشتر السلطة مدربًا فقط، بل اشترت هدنة عاطفية مع الجمهور. لقد قدمت له اسمًا يمكنه أن يعلّق عليه أمله من جديد، وأن يؤجل غضبه إلى المباراة المقبلة، وأن يصدق أن المشكلة حُلت بمجرد تغيير الرجل الواقف على خط التماس. وهذه إحدى الوظائف التقليدية للقرار الاستعراضي في الأنظمة التي تعجز عن إصلاح المؤسسات: تعويض الإصلاح البطيء والمكلف بحركة سريعة ومثيرة تجذب الانتباه، وتمنح الناس انطباعًا بأن مركز السلطة ما زال قادرًا على التحكم في الأحداث.

من اختار المدربين ومن يتحمل الفشل؟

بدأت القصة قبل اللموشي ورينار عندما طُرح اسم البرتغالي كارلوس كيروش لتدريب المنتخب في مطلع سنة 2025، وتحدثت تقارير عن رفض وزارة الرياضة بتنسيق مع الرئاسة للصفقة بسبب كلفتها المرتفعة وما تتطلبه من تحويلات بالعملة الأجنبية. وتزامن ذلك مع خطاب رسمي يفضل المدرب التونسي ويرفع شعار “التعويل على الذات” وتم اختيار سامي الطرابلسي.

بعد فشل الطرابلسي في كأس أمم أفريقيا والخروج أمام مالي، تكرر السيناريو نفسه. أرادت الجامعة، التوجه إلى مدرب أجنبي، بينما تمسكت سلطة الاشراف بأن يكون المدرب المقبل تونسيًا.

انتهى الأمر بصبري اللموشي، وهو مدرب فرنسي من أصول تونسية، لا ينتمي فعليًا إلى مسار التدريب المحلي ولا يعرف تفاصيل البطولة التونسية أكثر من المدربين الأجانب. وصار تونسيًا عندما احتاجت السلطة إلى تنفيذ قرارها، وأجنبيًا بالخبرة والسيرة عندما احتاج مروجو اختياره إلى الدفاع عنه٬ وهكذا جرى تفصيل الهوية الرياضية على مقاس القرار السياسي.

ثم جاءت خماسية السويد لتسقط خلال ساعات كل خطاب «التعويل على الذات» والمحافظة على العملة الصعبة. فعندما كانت المسألة خلافًا إداريًا بين الوزارة والجامعة، كان المدرب الأجنبي تبذيرًا ومساسًا بالسيادة وإهدارًا للمال. وعندما تحولت الهزيمة إلى إذلال جماعي منقول أمام العالم، لم تعد العملة الأجنبية مشكلة، ولم يعد المدرب الوطني مسألة مبدئية، ولم تعد السيادة الرياضية تعني شيئًا.

والمشكلة الآن ليست في التعاقد مع هيرفي رينار؛ فهو مدرب ذو تجربة دولية معتبرة، وفاز بكأس أفريقيا مع منتخبين، وحقق مع السعودية انتصارًا تاريخيًا على الأرجنتين في مونديال قطر. ولكن المشكلة في أن السلطة استعملت مبدأ التقشف والسيادة لمنع خيارات سابقة، ثم تخلت عنه فورًا عندما أصبح الغضب الكروي خطرًا سياسيًا واتصاليًا.

رينار: إنقاذ المنتخب أم إنقاذ صورة السلطة؟

بحسب التسريبات المنشورة، حصل رينار على نحو ثلاثين ألف يورو شهريًا خلال مهمته القصيرة، مع السماح له بجلب أفراد من طاقمه. وقد يكون هذا الأجر محدودًا مقارنة بما كان يتقاضاه في السعودية، حيث تحدثت تقارير عن عقد بملايين اليوروهات سنويًا (460 ألف يورو صافيًا شهريًا).

وتحدثت روايات صحفية أيضًا عن تدخل وسطاء واتصالات أُنجزت في ساعات، وعن دور حاسم للرئاسة في الوصول إلى الاتفاق عبر يوسف حيجوب صديق معزالناصري (رئيس الجامعة). ولا توجد إلى الآن جهة رسمية توضح إن كانت الجامعة ستتحمل النفقات كاملة، أم أن جهة أخرى ساهمت فيها، ولا من أي بند ستُدفع الأموال. لكن حتى في غياب التصريحات، فإن التدخل السياسي نفسه يبدو واضحًا: قرار إقالة اللموشي واستقدام بديله تجاوز على الأرجح المكتب الجامعي ووزارة الرياضة، وانتقل إلى مستوى الرئاسة.

وإذا ثبت أن جزءًا من الصفقة مولته الرئاسة أو جهة تابعة للدولة، يصبح السؤال مشروعًا: لماذا لم يعد المال العام أو نزيف العملة الأجنبية مشكلة هذه المرة؟ ولماذا يمكن توفير الموارد خلال ساعات لإطفاء حريق كروي، بينما يعجز أبطال تونسيون في الرياضات الفردية عن الحصول على منحهم لعدة أشهر؟

بالنسبة إلى رينار، كانت المهمة مغرية أيضًا٬ لقد قاد المنتخب السعودي إلى كأس العالم، ثم أُبعد قبل انطلاق البطولة بأسابيع، رغم الأجر المرتفع والمكانة التي حظي بها بعد الفوز على الأرجنتين سنة 2022. وتتيح له عودته السريعة من بوابة تونس الحضور في المونديال مجددًا، وتمنحه فرصة مهنية وشخصية للرد على قرار الاستغناء عنه٬ ولا نحتاج هنا إلى اختراع قصة انتقام فيكفي أن ندرك أن رجلًا أُبعد عن البطولة بعد أن ضمن التأهل إليها وجد فرصة غير متوقعة للعودة إلى الواجهة.

أما النظام فقد صنع لنفسه معادلة سياسية رابحة في الحالتين. إذا نجح رينار، فسيُقدَّم النجاح بوصفه نتيجة مباشرة لتدخل الرئيس وسرعة قراره. وسيصبح التأهل، إن حصل، إنجازًا جديدًا لـ«رجل الإنقاذ» الذي حسم خلال ساعات ما عجزت المؤسسات عن حسمه خلال أشهر.

أما إذا فشل المنتخب، فيمكن تحميل المسؤولية إلى الجامعة ومسؤوليها وتدخلاتهم والاختيارات السابقة، وربما سيتم فتح ملفات ضدهم بتهم الفساد والمحسوبية والإضرار بالمنتخب. وتستطيع السلطة عندها القول إنها نفذت مطلب الجمهور والجامعة وجلبت مدربًا أجنبيًا كبيرًا، لكن الخراب كان أعمق من أن يُعالج في أيام.

إنها الصيغة السياسية المعروفة: احتكار الفضل عند النجاح، وتوزيع اللوم عند الفشل.

جامعة يجب إصلاحها لا إخضاعها:

لا يعني نقد تدخل السلطة أن الجامعة التونسية لكرة القدم مؤسسة نموذجية أو أنها ضحية بريئة. فقد راكمت الجامعة الأزمات والنزاعات والشبهات، واضطر الاتحاد الدولي لكرة القدم سابقًا إلى تعيين هيئة تسوية لإدارة المرحلة الانتقالية وإعادة ترتيب هياكلها.

كما تحدثت تحقيقات صحفية حديثة عن تدخل مسؤولين جامعيين في اختيارات المدرب وقائمة اللاعبين والتشكيلة الأساسية، وعن محاصصة غير معلنة بين الأندية، ومحاولة ضمان استفادتها من تعويضات «فيفا»، وعن علاقات نفوذ وشبكات ولاء تتقدم أحيانًا على المعايير الفنية.

فالجامعة اذا هي جزء أساسي من الكارثة  ولكن المفارقة أن السلطة التي جعلت من «التطهير» شعارها المركزي، لم تطهر الجامعة ولم تبنِ بديلًا أكثر شفافية ولم تضع نظامًا واضحًا للمحاسبة والتمويل وتضارب المصالح، ولم تحمِ استقلال القرار الفني، بل اكتفت بالتدخل في الأشخاص والاختيارات.

وهناك فرق بين إصلاح الجامعة وإخضاعها فالإصلاح يعني الالتزام بقوانين واضحة، وشفافية مالية، وانتخابات نزيهة، وتدقيقًا مستقلًا، وتحديدًا للمسؤوليات، وحماية للمدرب من تدخل المسؤولين. أما الإخضاع فيعني أن تنتقل سلطة الاختيار من شبكات الجامعة إلى الرئاسة، من دون أن تتغير قواعد اللعبة.

الخماسية بوصفها مرآة للدولة:

إن الهزيمة أمام السويد ليست سبب الأزمة ولكنها اللحظة التي أصبحت فيها الأزمة مرئية للعالم.
فالمنتخب لا يمكن أن يكون منفصلًا تمامًا عن البيئة التي أنتجته: بطولة محلية ضعيفة وملاعب متقادمة وأندية مثقلة بالديون وإدارة مرتبكة وتكوين محدود وتدخلات سياسية وغياب رؤية واستراتيجية طويلة المدى.

فقد ظلّ ملعب المنزه، أحد أبرز معالم الرياضة التونسية، لسنوات ورشةً مفتوحة وشاهدًا على العجز الإداري وتعثر المشاريع العمومية. وقد تدخل رئيس الجمهورية في ملفه أكثر من مرة، وسط حديث عن شبهات فساد وإخلالات فنية ومالية، أعقبها فسخ العقود وإعادة النظر في المشروع، من دون أن تنجح هذه التدخلات إلى اليوم في إعادة الملعب إلى الحياة.

ففي دولة تُدار مشاريعها بالزيارات الفجئية ونوبات الغضب الرئاسي، تتحول المشاريع فيها إلى مشاهد سياسية متتالية، من دون روزنامة وأهداف واضحة وآليات فعلية للمتابعة والمحاسبة.

ولا يقتصر الفشل على كرة القدم، بل يمتد إلى الرياضات الفردية. فقد اضطر خليل الجندوبي، بطل العالم وصاحب ميداليتين أولمبيتين في التايكواندو، إلى الخروج إلى الإعلام في جانفي 2026 للشكوى من تأخر صرف منحته الشهرية، التي قال إن قيمتها تبلغ 900 دينار وإنه لم يحصل عليها طوال ستة أشهر. كما كشف عن تلقيه عروض تجنيس من أكثر من دولة ورفضها، وتحدث عن منعه من اجتياز امتحان تغيّب عنه أثناء تمثيل تونس في بطولة العالم، بسبب تأخر المصالح المعنية في إرسال ما يثبت سبب غيابه. وفي المقابل، أكدت وزارة الرياضة أنه يتمتع بعقد أهداف ومساعدات مالية أخرى، غير أن ردها لم ينفِ أصل الإخلال الإداري وتأخر صرف المنحة التي تحدث عنها.

كما تقلص حجم المشاركة التونسية في أولمبياد باريس بصورة كبيرة، وربط مسؤولون رياضيون ذلك بالصعوبات المالية وضعف التحضير والبنية التحتية. وفي حوادث أخرى، اختفى رياضيون شبان خلال مشاركات دولية واختار بعضهم الهرب بدل العودة، وهي صورة قاسية لبلد لم يعد بعض رياضييه يرون في تمثيله طريقًا إلى المستقبل، بل فرصة للفرار منه.

لماذا أغضبت الخماسية التونسيين إلى هذا الحد؟

من السهل السخرية من جمهور يغضب بسبب مباراة، لكن المسألة أعمق بكثير. ففي المجتمعات المأزومة لا تُختزل كرة القدم في الترفيه، بل تتحول إلى خزان للكرامة الرمزية، وإلى مساحة نادرة يشعر فيها الفرد بأنه ينتمي إلى جماعة مرئية وقادرة على منافسة الآخرين.

فحين يفتقر المواطن إلى أدنى مقومات العيش الكريم ويشعر بالعجز أمام الدولة، ويقارن مستوى عيشه بما يراه في بلدان أخرى، يُحمّل المنتخب وظيفة نفسية لا يستطيع أداءها ويصبح انتصار أحد عشر لاعبًا انتصارًا شخصيًا له، ودليلًا على أن البلد، رغم كل شيء، ما زال قادرًا على الظهور أمام العالم.

يسمي علم النفس الاجتماعي ذلك بـالاحتماء «بالمجد العاكس» فالفرد ينتسب إلى نجاح الجماعة ليحصل على جزء من قيمتها ويقول المشجع عند الفوز «انتصرنا»، وكأنه شارك في صناعة النتيجة، لأن الانتصار يرفع مكانته الرمزية أمام الشعوب المجاورة ويمنحه لحظة اعتراف جماعي.

أما الهزيمة الثقيلة فلا تُفهم بوصفها نتيجة فنية فقط، بل بوصفها كشفًا للعجز وإهانة علنية. ولذلك تظهر لغة الرجولة والشرف والقتال والفحولة الوطنية وكأن المنتخب لم يخسر مباراة بل خسر حربًا.

وقد تُضاعف المقارنة مع الجيران هذا الشعور٬ فنجاحات المنتخب المغربي واستثمارات حكومته في الملاعب والأكاديميات واستقطاب مزدوجي الجنسية وتنظيم البطولات تحولت إلى معيار إقليمي يقيس التونسي نفسه عليه فلا يرى الجمهور التونسي في المغرب منتخبًا أفضل فقط بل يرى دولة تتحرك إلى الأمام بينما تتراجع بلاده وهنا تصبح كرة القدم محرارًا شديد التأثير لقياس التقدم والرقي.

كرة القدم والغضب الآمن:

يُقال إن الرياضة أفيون الشعوب، لكن الأدق أنها تؤدي وظيفتين متعارضتين: تخدّر الغضب حين تمنح الجماهير الانتصار والفرجة والانتماء، وتكشف الغضب المكبوت حين تفشل في أداء هذه الوظيفة.

ولا يحتاج النظام دائمًا إلى إلغاء غضب الناس فيكفي أحيانًا أن يمنحه موضوعًا بديلًا: يمكن للمواطن أن يشتم المدرب والجامعة واللاعبين ساعات طويلة، وأن يطالب بإقالتهم ومحاسبتهم، من دون أن يقترب من السؤال الأخطر: من يدير البلاد بالطريقة نفسها؟ ومن مزق المؤسسات؟ ومن حول القرارات العامة إلى تعليمات شخصية؟

فالغضب الكروي منخفض الكلفة أما الغضب السياسي فقد يكلف المواطن عمله أو حريته أو سلامته. ويستطيع التونسي بكل سهولة أن يطالب بسجن مسؤولي الجامعة، لكنه يعرف أن الاعتراض على المحاكمات السياسية أو الدفاع عن معارض قد يضعه تحت الشبهة.

غير أن الخوف لا يعفي المجتمع تمامًا من مسؤوليته الأخلاقية. فقد بلغ الخلل في ترتيب الغضب الجماعي درجة تجعل هزيمة رياضية تستنفر الملايين، بينما تمر انتهاكات تمس حياة البشر وكرامتهم من دون تعبئة مماثلة.

فقد صدر في تونس قبل أشهر حكم بالإعدام على مواطن بسبب منشورات تنتقد الرئيس. وصحيح أن الحكم أثار احتجاجات حقوقية وانتقادات محلية ودولية وانتهى بالإفراج عنه، لكنه لم يحول الشارع التونسي إلى كتلة غضب تضاهي ما يحدث بعد مباراة كرة قدم.

وقبل أسبوع فقط، أُودع عالم الآثار ووزير الثقافة الأسبق عز الدين باش شاوش السجن، وهو في الثامنة والثمانين من عمره وهو مريض وشبه مقعد ويعتمد على عائلته في قضاء أبسط حاجاته اليومية قبل أن يُفرج عنه لاحقًا إثر تحرك حقوقيين ومحامين ومدافعين عن الحريات.

وهذه الواقعة، رغم رمزيتها وخطورتها، لم تُحدث في المجتمع التونسي صدمة توازي الغضب الذي أثارته هزيمة المنتخب بخمسة أهداف. فلم يتحول اعتقال عالم بهذه القيمة العلمية، وفي هذه السن والحالة الصحية، إلى قضية كرامة وطنية جامعة، ولم تُطرح صورته وهو مريض باعتبارها إساءة إلى تونس وصورتها أمام العالم بالحدة نفسها التي طُرحت بها الهزيمة الرياضية.

حنبعل والثلاثة آلاف سنة حضارة:

في كل بطولة كبرى تعود الآلة الإشهارية إلى المخزون نفسه: حنبعل، قرطاج، ثلاثة آلاف سنة من الحضارة، الهريسة، العلم، النشيد، والعبقرية التونسية التي لا تستسلم. وقد ركزت ومضة شركة أوريدو الموجهة للمونديال على الفخر والانتماء وتحويل المنتخب إلى حامل لكل الذاكرة الوطنية.

الى حد الآن لا توجد مشكلة في الاعتزاز بالتاريخ أو التراث ولكن عندما يتحول الماضي إلى بديل عن الحاضر، وعندما يصبح حنبعل موظفًا موسميًا في الحملات الإعلانية، يُستدعى كل أربع سنوات لتعويض غياب الإنجازات الحديثة فهنا يظهر الخلل. والمشكلة أيضا عندما تتحول الهوية إلى سلعة عاطفية حيث تبيع الشركات للجمهور شعورًا استثنائيا، وتستعمل السلطة الشعور نفسه للتغطية على واقعه وكلما ازداد الحاضر فقرًا، ارتفعت الحاجة إلى أمجاد الموتى.

إن المجتمع الواثق من نفسه يحتفل بتاريخه من دون أن يختبئ داخله. أما المجتمع المهزوز فيستدعي حنبعل كلما عجز عن تقديم إنجاز جديد، ويعامل مباراة كرة قدم كأنها استفتاء عالمي على قيمته ووجوده.

مجد تونس الضائع:

قد ينجح هيرفي رينار في تغيير وجه المنتخب، وربما يحقق نتيجة تعيد الأمل وتمنح التونسيين ليلة فرح يحتاجونها فعلًا. فلا عيب في الفرح ولا في حب الكرة، ولا ينبغي مطالبة الناس بأن يعيشوا في حداد سياسي دائم.

لكن الخطر أن تتحول النتيجة الجيدة، إن حصلت، إلى ستار جديد يخفي أصل الأزمة، وأن يقتنع الجمهور بأن استقدام مدرب كبير دليل على أن الدولة قادرة على الإصلاح. فالقرار نفسه يكشف العكس: لو كانت المؤسسات تعمل، لما احتاج المنتخب إلى تدخل رئاسي في منتصف كأس العالم، ولما تغيرت المبادئ والسياسات خلال ساعات تحت ضغط الغضب الشعبي.

لقد كان استقدام رينار أسرع وأسهل من إصلاح الجامعة، وبناء الملاعب، وتطوير البطولة، ورعاية الرياضيين، واحترام استقلال المؤسسات. وكان شراء رضا الجمهور باسم كبير أقل كلفة سياسية من الاعتراف بأن طريقة إدارة المنتخب ليست سوى نسخة مصغرة من طريقة إدارة البلاد.

لم تهزم السويد منتخب تونس وحده٬ فلقد هزمت خطاب التعويل على الذات حين ظهر أنه قابل للتخلي عنه عند أول أزمة٬ وهزمت ادعاء التطهير حين ظهرت الجامعة غارقة في صراعاتها وشبكات نفوذها كما هزمت صورة الدولة القادرة حين اضطرت الرئاسة إلى تغيير مدرب في منتصف بطولة عالمية.

أما الجمهور، فعليه أن يسأل نفسه لماذا يهبّ دفاعًا عن كرامته عندما تدخل الكرة مرماه، ولا يتحرك بالزخم نفسه عندما تُسلب حريته أو يُعتقل علماؤه أو يُهان مواطنوه.

ومن زاوية أخرى يمكن القول أن كرة القدم ليست منفصلة عن السياسة فالانتصار قد يمنح السلطة شرعية رمزية لم تحققها في الاقتصاد والعدالة، بينما تهدد الهزيمة بكشف الفراغ الذي حاولت وسائل الاعلام والبروباغندا والإعلانات تغطيته.

لهذا لم يكن وصول هيرفي رينار مجرد تغيير فني بل كان عملية إنقاذ لصورة السلطة والمكتب الجامعي، ووسيلة لإسكات جمهور سيرضى مؤقتًا لأن اسمًا كبيرًا جلس على مقاعد البدلاء.

لكن الأسماء الكبيرة لا تبني الدول. وبعد انتهاء المونديال، سواء عبرت تونس الدور الأول أم غادرته، سيبقى السؤال نفسه: هل نحتاج فعلا للعبور للدور الثاني من المونديال؟ ام نحتاج فعلا لبناء وطن ومجد حقيقي لتونس؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *