العدالة الانتقالية في سوريا: شعارت جذابة وفراغ على أرض الواقع

العدالة الانتقالية في سوريا: شعارت جذابة وفراغ على أرض الواقع

تُظهر التجربة السورية خلال سنوات النزاع أن غياب مسار جدي للعدالة الانتقالية لا يقتصر على تعطيل المحاسبة، بل يخلق واقعًا اجتماعيًا قاسيًا يتعايش فيه الضحايا والجناة في الحي ذاته، وأحيانًا داخل المؤسسة نفسها. هذا التعايش القسري، الذي يتشكل في ظل غياب آليات فعالة لكشف الحقيقة، يرسّخ شعورًا عميقًا بالظلم لدى الضحايا، ويحوّل الإفلات من العقاب إلى قاعدة اجتماعية وسياسية تهدد إمكان بناء دولة جديدة مستقرة.

تطبيع وجود الجناة في المجال العام

مع استمرار غياب المساءلة، يواصل كثير من الجناة حياتهم في الفضاء العام بلا محاسبة، ما يضاعف شعور الضحايا بالعجز ويضعف ثقتهم بالقانون والقضاء. ومع مرور الوقت، يتحول حضور المجرمين في الحياة اليومية إلى أمر “طبيعي”، أي تطبيع للجريمة نفسها. هذا التطبيع يحمل مخاطر عميقة على المصالحة الوطنية، إذ يدفع بعض الفئات نحو “العدالة الشعبية” أو الانتقام الفردي، بما يحوّل العنف السياسي إلى عنف اجتماعي ممتد.

فجوة التوثيق بين الضحايا والجناة

تكشف بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان عن فجوة بنيوية بين أعداد الضحايا الموثقين وأعداد الجناة المعروفين بالاسم، الذين يقاربون 16,200 شخص فقط. يعود ذلك إلى طبيعة الانتهاكات في سوريا، التي كانت جماعية وممنهجة، نفذتها أجهزة أمنية وعسكرية تعمل بتسلسل قيادي صارم وبنية مغلقة.
لذلك، يصبح توثيق الضحايا عبر الشهادات والصور والسجلات الطبية أسهل بكثير من توثيق المسؤولية الفردية لمن أصدروا الأوامر أو نفذوها. فهذه المهمة تتطلب تراكبًا معقدًا من الأدلة، في ظل انعدام الشفافية وصعوبة الوصول إلى الأرشيف الرسمي، وإخفاء الأدلة وترهيب الشهود.

تعقيدات التعامل مع أفراد الجيش والأمن

يمتد هذا التعقيد إلى مئات الآلاف من أفراد الجيش والأمن الذين خدموا خلال النزاع. ومن منظور العدالة الانتقالية، لا يمكن التعامل مع هؤلاء ككتلة واحدة.
فصناع القرار ومن أصدروا أوامر الانتهاكات يجب أن يخضعوا لمسارات قضائية واضحة ويُستبعدوا من مؤسسات الدولة الجديدة.
أما المنفذون الذين عملوا تحت الإكراه أو دون أدلة كافية على تورط شخصي، فتتطلب حالتهم مقاربة أكثر تعقيدًا تراعي المسؤولية الفردية وإمكانات إعادة الإدماج المشروط ضمن مؤسسات خاضعة لإصلاحات بنيوية ورقابة مجتمعية وقضائية.

وتبقى ثقة المجتمع مرهونة بعزل كل من ثبت تورطه في الانتهاكات الكبرى، من دون شيطنة جماعية لكل من ارتدى الزي العسكري أو الأمني.

خطورة تأخير مسار العدالة الانتقالية

يحمل تأخير إطلاق مسار العدالة الانتقالية أخطارًا كبيرة. فكلما طال التأخير، ترسخ الإفلات من العقاب وتعزز شعور الضحايا بالإقصاء، واتسعت الهوة بينهم وبين مؤسسات الدولة الناشئة. ومع الوقت، يتحول المسار من مشروع تحويلي إلى إجراءات رمزية تمنح شرعية شكلية دون المساس بالبنى التي أنتجت الجرائم.
لذلك، يصبح التعجيل المدروس في تفعيل آليات العدالة الانتقالية ضرورة وطنية، وشرطًا لشرعية المؤسسات الجديدة وثقة المجتمع بها.

مقاربة مركّبة لكشف الجناة غير الموثقين

لمعالجة فجوة التوثيق، تُطرح مقاربة مركّبة تقوم على ثلاث دوائر متكاملة:

1. الشهادات المجتمعية

تفعيل آليات المساءلة المجتمعية عبر استقبال الشكاوى، وتنظيم جلسات استماع آمنة، وتمكين المجتمع من تسمية الفاعلين وتوثيق الوقائع ضمن منظومة حماية فعالة للشهود.

2. الآليات الوطنية المستقلة

إنشاء أو تعزيز هيئات وطنية مستقلة قادرة على إجراء تحقيقات منهجية وتحليل البيانات الواردة من المنظمات الحقوقية والمصادر المفتوحة وربطها بالأرشيفات الرسمية المتاحة.

3. الأدوات الدولية المتخصصة

الاستفادة من الآليات الأممية، وصور الأقمار الصناعية، والسجلات الطبية، وأرشيفات الأجهزة الأمنية، إضافة إلى دور الإعلام الاستقصائي وقاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

العدالة الانتقالية: إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع

في جوهرها، ليست العدالة الانتقالية مجرد شعارات أو محاكمات أو إجراءات إدارية، بل عملية مجتمعية عميقة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الضحية والجاني، وبين الذاكرة الوطنية والمستقبل السياسي.
ومن دون معالجة مأزق التعايش القسري، وفجوة التوثيق، وتعقيدات المؤسسة العسكرية والأمنية، ومخاطر تأخير العدالة، سيظل الانتقال السوري مهددًا بإعادة إنتاج أنماط الاستبداد والعنف التي ثار عليها السوريون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *