للعام الثاني على التوالي يعاني الاقتصاد الألماني من ركود أدى إلى تراجع مخيف في مبيعات الشركات على رأسها شركة فولكسفاغن العملاقة لصناعة السيارات، كما أدى إلى انعدام النمو وتقلص الناتج المحلي الإجمالي. ولا تبدو آفاق تغير هذا المنحى قريبة، لاسيما إذ أن غالبية التوقعات وعلى رأسها الصادرة عن الحكومة الألمانية وصندوق النقد الدولي لا ترى فرصا تُذكر للنمو خلال العام القادم 2025.
وتكمن المشكلة الأخطر حاليا في خطر الإفلاس والإغلاقات التي تتهدد آلاف الشركات أو فروع لها ومن بينها شركات كانت يوما تُعد من أفضل الشركات في العالم أمثال فولكسفاغن وبي ام دبليو وسيمنس وبوش. وهو الأمر الذي يعزز المخاوف من أن ألمانيا في الطريق إلى أن تفقد جزءا هاما من صناعاتها وإلى تراجع ترتيبها بين الدول الصناعية. ومن المؤشرات التي تعزز هذه المخاوف إعلان إفلاس نحو 11 ألف شركة خلال النصف الأول من العام الجاري 2024 حسب مركز الإحصاء الاتحادي في فيسبادن ونحو 4 آلاف شركة في الربع الثالث من هذا العام حسب معهد لايبنيتس للبحوث الاقتصادية في مدينة هالة/ IWH وهو أكبر رقم عرفته البلاد منذ الأزمة المالية العالمية التي اندلعت عام 2008.
اغلب الخبراء يتسائلون هل فقد نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي الألماني الذي كان مثالا يحتذى وحقق معجزات اقتصادية عديدة صلاحياته؟ في الواقع تمكنت ألمانيا في الماضي من تجاوز أزمة الطاقة في السبعينات بعد حرب أكتوبر 1973 وجنون أسعار النفط. كما تجاوزت أزمة التسعينات وأوائل الألفية الحالية التي أُطلق على ألمانيا خلالها “رجل أوروبا المريض”، وقد تمكنت من ذلك بفضل الإصلاحات المؤلمة التي قامت بها حكومة المستشار الأسبق شرودر. غير أن مشكلة الأزمة الحالية أنها أقسى من سابقاتها كونها تحصل في ظل توترات جيوسياسية عالمية تؤدي إلى مزيد من العقوبات الاقتصادية المتبادلة والنزاعات التجارية الحادة.
كما أنها تحصل في ظل حكومة تبدو عاجزة عن اتخاذ قرار اقتصادي موحد وعن القيام بإصلاحات اقتصادية عميقة بسبب الخلافات الحادة التي لا تبدو قابلة للحل بين أطرافها من جهة، ولكونها من جهة أخرى في السنة الأخيرة من دورتها الحالية في الحكم. ويضم الإئتلاف الحاكم الذي يتزعمه المستشار أولاف شولتس إلى جانب حزبه، الإشتراكي الديمقراطي كل من حزب الخضر و الحزب الديمقراطي الحر
وتكمن الطامة الكبرى في أن كل من هذه الأحزاب يسعى إلى تنفيذ سياسة مختلفة عن تصور الآخر. ففي الوقت الذي يصر فيه الحزب الحر بزعامة كريستيان ليندنر الذي يتولى مسؤولية وزارة المالية على التقشف في الميزانية، يدعو الحرب الاشتراكي مدعوما من حزب الخضر إلى حد ما إلى التمويل بالعجز لضخ استثمارات ضرورية في البنى التحتية.
وقد وصل عمق الانقسامات بين أطراف التحالف مؤخرا إلى تقديم وزير المالية الألماني كريستيان ليندنر خطة اقتصادية، تسعى إلى خفض الضرائب والانضباط المالي في تناقض فاضح لخطة استثمارية لوزير الاقتصاد مما يكشف عن انقسام عميق في الائتلاف الحاكم، بحسب وكالة رويترز.
ويدعو ليندنر وهو من الحزب الديمقراطي الحر، المدافع عن حرية السوق في الائتلاف الثلاثي الذي يقوده المستشار أولاف شولتس، إلى “تحول اقتصادي مع مراجعة جذرية لبعض القرارات السياسية الرئيسية”، وذلك في ورقة سياسية مؤلفة من 18 صفحة صادرة عن وزارة المالية.
وأدى الخلاف المعلن حول السياسة الاقتصادية والصناعية بين أحزاب الديمقراطي الحر والخضر والديمقراطي الاجتماعي بزعامة شولتس إلى إذكاء تكهنات بانهيار الائتلاف، قبل عام من الموعد المقرر للانتخابات.
