لا تزال ليبيا وتونس والجزائر تُقدَّم في الخطاب الرسمي كدول جوار تجمعها مصلحة أمنية مشتركة. لكن القراءة الأعمق تُظهر ثلاث دول تحمل كل منها هشاشتها، وتحاول أن تعوّض عنها بتنسيق على الحدود، فيما تتراكم الأسباب الحقيقية للقلق في الداخل.
ليبيا أو الجرح المفتوح : ما زالت ليبيا مصدر الاهتزاز الأول حيث شهدت طرابلس في 21 جوان 2026 توترًا أمنيًا متجددًا بعد انتشار جماعات مسلحة موالية لسلطات الغرب في أنحاء من العاصمة، وهو ما أعاد المخاوف من مواجهة بين التشكيلات المتناحرة. وتجري الحوارات برعاية أممية وأمريكية في غدامس، لكن الاحتجاجات التي اندلعت في الزاوية في فيفري 2026 بسبب تدهور المعيشة وارتفاع سعر الدولار تدل على أن الأزمة لم تعد سياسية فقط. فالمواطن الليبي يدفع ثمن الانقسام في أسعار السلع قبل أن يدفعه في صناديق الاقتراع التي لم تُفتح بعد.
ومن الجهة الشرقية يُطل خليفة حفتر بإصراره على حكم ليبيا إذ لا يحتاج إلى الحرب الشاملة كي يعطّل ليبيا. يكفيه أن يبقى طرفًا لا يمكن الاستغناء عنه ولا محاسبته، يجلس إلى طاولة كل وسيط وفي يده جيش خاص.
ويرى المنتقدون أن شرق ليبيا لم يعد منطقة نفوذ، بل ملكية عائلية. فقد أشار تقرير خبراء الأمم المتحدة لعام 2023 إلى أن عائلة حفتر سيطرت على معظم الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الشرق بعد فشل هجوم طرابلس، ورافقت ذلك اتهامات بفساد ونهب للمال العام. واليوم يتولى صدام حفتر قيادة الجيش الوطني بصفة رسمية، وخالد رئاسة الأركان، وبلقاسم صندوق التنمية والإعمار. وهي هندسة صريحة لتوريث السلطة، في وقت يبلغ فيه الأب الثالثة والثمانين في السابع من نوفمبر. وتنتهي هذه الصيغة، في نظر ناقديها، إلى إعادة إنتاج نموذج حكم العائلة الذي أُسقط في 2011 ونعود بالتالي لنفس الاسباب التي أدت إلى الاطاحة بالقذافي وعائلته.
تونس أو الاستقرار بلا مناعة: تبدو تونس الأهدأ ظاهريًا، لكن هدوءها قائم على أسس رخوة. فقد مُدِّدت حالة الطوارئ حتى نهاية 2026، وخروج التونسيين في للإحتجاج بسبب الاعتقالات والضغط الاقتصادي أصبح موعد شهري . أما اقتصاديًا، فيتوقع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية نموًا في حدود 2.2% في 2026 وعجزًا في الميزانية قرابة 6%، مع احتياطي من العملة الصعبة يغطي نحو 3.5 أشهر من الواردات.
في 17 أكتوبر 2026 شهدت تونس أكبر مظاهرة ضد قيس سعيّد منذ سنوات، قادها الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمات مدنية، على خلفية أزمة اقتصادية وتردٍّ في الخدمات وانقطاعات متكررة للماء والكهرباء ونقص في الأدوية والمواد الأساسية. ويرى المنتقدون أن هذه المظاهرة لا تعبّر عن غضب ظرفي، بل عن انسداد القناة الوحيدة التي كان يمكن أن تمتص الغضب: الحوار.
منذ 2022 اعتقلت السلطات عشرات السياسيين والقضاة والصحفيين والناشطين، وسبق لسعيّد أن حمّل «الخونة» مسؤولية ارتفاع الأسعار ونقص المواد الغذائية. وفي رأي المنتقدين، يحوّل هذا الخطاب المعارضة إلى المتهم الاول في الأزمة الاقتصادية، ويقطع آخر قنوات التفاوض.
ينبغي هنا الاشارة إلى أن الاتحاد وسعيّد التقيا في مواقف اقتصادية، إذ دعم الاتحاد رفض الرئيس شروط صندوق النقد الدولي. ويستنتج المنتقدون أن الخلاف ليس حتمية أيديولوجية، وأن الأرضية المشتركة ممكنة. ما يُعطّل التفاهم هو رفض تقاسم القرار وهي وضعية لا يُتوقع ان تتغير في قادم الايام .
الجزائر: ثقل بلا حصانة الجزائر تعتبر أقوى بلد بالمثلث عسكريًا ومؤسساتيًا، لكنها الأكثر انكشافًا على عمق الساحل جنوبًا وعلى ليبيا شرقًا. ويحذّر خبراء من أن المسألة لم تعد تهريبًا وهجرة منفصلين، بل بيئة أمنية مترابطة تمتد من الساحل إلى السودان، مع مخاوف من تحرك مسلحين وسلاح وأموال غير مشروعة شمالًا عبر طرق الصحراء القديمة، هذا دون الخوض في العداء العلني مع الجارة المغرب وما أنتجه من إستنزاف مادي ومعنوي لمقدرات البلاد.
ردّ العواصم الثلاث كان اوتوماتيكي : التنسيق الحدودي،لكن حسب المتابعين فإن التنسيق الأمني ضرورة لا تكفي ،إذ عُقد في طرابلس في 16 جوان الاجتماع الثلاثي الثاني لفريق العمل المشترك لأمن الحدود. غير أن المقاربة تبقى أمنية في جوهرها حيث إن السياسات الحالية قدّمت الاحتواء على الحوكمة. والنتيجة أن الضغط يتحرك ولا يختفي. فقد أصبحت الجزائر في منتصف 2026 ثاني أكبر بلد انطلاق نحو إيطاليا بنسبة 8%، متقدمة على تونس، بينما بقيت ليبيا نقطة الانطلاق الرئيسية بنسبة 83%. أي أن تشديد الرقابة في مكان يدفع المسارات إلى مكان آخر، ويحوّل ضبط الهجرة نفسه إلى اقتصاد قائم بذاته.
أخطر السيناريوهات ليس انهيارًا مفاجئًا في بلد واحد، بل تراكم بطيء: انفجار في طرابلس يدفع بالمقاتلين والسلاح نحو الحدود، وأزمة مالية في تونس تُضعف قدرتها على السيطرة، وجزائر مضطرة لتوزيع جهدها بين جبهتين. وفي المنطقة قرابة 597 ألف لاجئ سوداني في ليبيا وحدها، ما يضيف عبئًا إنسانيًا على بنية مرهقة أصلًا.
الخلاصة أن استقرار الحدود لا يصنع استقرار الدول. وما لم تُعالَج جذور الأزمة، من انقسام المؤسسات الليبية وضيق العيش في الأطراف التونسية والجزائرية، سيبقى التنسيق الأمني مسكّنًا لا علاجًا.