من ثانوية محاصَرة في رين إلى شوارع باريس وليون ومرسيليا، تتصاعد الأصوات ويتصاعد الدخان معها. فرنسا التي اعتادت أن تُصدّر الدروس السياسية تعيش اليوم اختباراً داخلياً قاسياً، وعيون الضفة الجنوبية للمتوسط تراقب بقلق لا يخلو من حسابات.
ما بدأ في أواخر سبتمبر 2026 كحراك لتلاميذ وطلبة ضد الانتقاء الجامعي تحوّل خلال أسابيع إلى حركة اجتماعية ضد غلاء المعيشة، وستكون ارتداداته على العلاقة مع تونس والمغرب العربي حقيقية، وإن كانت غير مباشرة.
الوقائع: من الثانويات إلى الشارع
أوائل أكتوبر: حصار ثانويات وجامعات، وتعبئة وطنية في 6 أكتوبر قدّرتها النقابات بـ450 ألفاً والحكومة بـ250 ألفاً.
17 أكتوبر: 550 ألف متظاهر بحسب وزارة الداخلية و800 ألف بحسب المنظمين، مع نهب وحرائق وإغلاق نحو 25 محطة مترو في باريس وحظر تجوال في عدة مدن.
24 أكتوبر («الفصل الثاني»): 410 آلاف حسب الداخلية و800 ألف حسب نقابة CGT، وحوالي ألف موقوف، لكن بقدر أقل من العنف.
المحطات القادمة: تعبئة جديدة لحركة «السترات الصفراء» في 31 أكتوبر، وإضراب نقابي عام في 5 نوفمبر.
تتجمع المطالب حول إصلاح منصة «باركور سوب» (Parcoursup) وتخصيص 10 مليارات يورو للتعليم، ثم الأجور وأسعار الوقود والخدمات العمومية. وتفيد منظمة العفو الدولية، نقلاً عن وزارة الداخلية، بأكثر من 5,000 توقيف بين 21 سبتمبر و2 أكتوبر، 85% منهم قاصرون.
لماذا يهمّ هذا تونس؟
1. الروابط البشرية والاقتصادية. تتداول التقارير الرسمية رقماً يقارب 600 ألف تونسي في فرنسا ونحو 1,400 شركة فرنسية في تونس (أرقام قديمة نسبياً)، وأيّ ركود فرنسي يُترجم إلى ضغط على التحويلات والاستثمار والسياحة.
2. علاقة هشّة أصلاً. استدعت تونس السفيرة الفرنسية في 24 جوان 2026 احتجاجاً على حوار مع معارض تونسي في المنفى، ووصفته بـ«التدخل غير المقبول». فرنسا مشغولة اليوم بشارعها، وهذا يضعف قدرتها على إدارة علاقاتها المغاربية بهدوء.
3. السياسة الداخلية الفرنسية تتجه نحو التشدد. مع اقتراب الانتخابات الرئاسية 2027، يعقد التجمع الوطني مؤتمره في أورليان، وتصبح الهجرة والتأشيرات ورقة انتخابية. وقد سبق أن أعلنت باريس تقليص التأشيرات للجزائر والمغرب وتونس، وهددت بإعادة النظر في اتفاقية 1968 مع الجزائر.
حسب الاوضاع الحالية هنالك سيناريو التهدئة وهو الأرجح: حيث تقدم الحكومة تنازلات اجتماعية جزئية تُنهي الموجة بنهاية نوفمبر، مع تشدد أمني، وتبقى العلاقة مع المغرب العربي على حالها أو سيناريو التصعيد واستمرار الحراك حتى 2027 مما يجعل ملف الهجرة أداة لصرف الأنظار، فتزداد الضغوط على الجاليات المغاربية ويضيق هامش التأشيرات والتحويلات.
ومهما كانت النتائج فما حدث يعطي فرصة لتونس لتنويع الشركاء (إيطاليا وتركيا والخليج) وتقليل الارتهان الكامل لباريس، لكن بشرط وجود رؤية اقتصادية داخلية لكن يجب الحذر من الاستغلال السياسي للأزمة على الضفتين، فاحتجاج اجتماعي مشروع في فرنسا قد يتحوّل إلى خطاب معادٍ للمهاجرين، أو إلى خطاب معادٍ لفرنسا في تونس، وكلاهما يضرّ بمصالح الجاليات والدولتين.
بينما تتجه فرنسا إلى إضراب 5 نوفمبر ثم إلى رئاسيات 2027، يبقى السؤال المغاربي معلّقاً: هل ستكتفي الضفة الجنوبية بدور المتفرّج، أم ستتحرك كشريك يعرف كيف يحمي مصالحه ويجنّب جالياته كلفة أزمة ليست أزمتها؟