“مراكز العودة” خارج أوروبا: إجراء جديد يثير جدلًا واسعًا في سياسة الهجرة الأوروبية

“مراكز العودة” خارج أوروبا: إجراء جديد يثير جدلًا واسعًا في سياسة الهجرة الأوروبية

الجالية نيوز – باريس – فتح الاتفاق الأوروبي الأخير حول قواعد إعادة المهاجرين غير النظاميين الباب أمام إنشاء ما يُعرف بـ“مراكز العودة” أو “منصات العودة” في دول خارج الاتحاد الأوروبي، في خطوة مثيرة للجدل تقول بروكسل إنها تهدف إلى رفع عدد عمليات الترحيل الفعلية، بينما تحذر منظمات حقوقية وخبراء قانونيون من مخاطرها على الحقوق الأساسية للمهاجرين.

وتوصل مفاوضو البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي، يوم الإثنين 1 جوان 2026، إلى اتفاق سياسي مؤقت حول إصلاح قواعد “العودة”، وهي القواعد التي تنظم ترحيل الأشخاص الذين لا يملكون حق الإقامة داخل دول الاتحاد. ويأتي هذا الإصلاح ضمن المسار الأوسع لتشديد سياسة الهجرة واللجوء الأوروبية، بالتزامن مع دخول ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي مرحلة التنفيذ.

وتقوم الفكرة الأساسية على تمكين الدول الأوروبية من نقل بعض المهاجرين غير النظاميين، الصادرة في حقهم قرارات نهائية بالمغادرة، إلى دول ثالثة خارج الاتحاد الأوروبي، حتى وإن لم تكن هذه الدول هي بلدانهم الأصلية. ويُفترض أن يتم ذلك عبر اتفاقات أو ترتيبات بين دولة أوروبية أو الاتحاد الأوروبي من جهة، ودولة خارجية تقبل استقبال هؤلاء الأشخاص من جهة أخرى.

وتستهدف هذه الآلية خصوصًا الحالات التي يتعذر فيها تنفيذ قرار الترحيل نحو بلد الأصل، بسبب رفض ذلك البلد التعاون أو استعادة مواطنيه. وفي هذه الحالة، يمكن أن تُستعمل “مراكز العودة” إما كوجهة مؤقتة في انتظار تنظيم الترحيل النهائي، أو كمكان لإيواء الأشخاص المعنيين إلى حين التوصل إلى حل بشأن وضعيتهم.

وتدافع المؤسسات الأوروبية المؤيدة للإجراء عن هذا التوجه باعتباره وسيلة لمعالجة ضعف تنفيذ قرارات الترحيل داخل الاتحاد. وتشير المعطيات الأوروبية إلى أن عددًا محدودًا فقط من قرارات الإبعاد يُنفذ فعليًا، وهو ما تعتبره عدة حكومات أوروبية ثغرة كبيرة في منظومة الهجرة. ووفق المفوضية الأوروبية، ارتفعت نسبة العودة سنة 2025 إلى 28%، لكنها لا تزال دون المستوى الذي تعتبره بروكسل كافيًا لضمان فاعلية النظام.

غير أن هذه المراكز لا تزال، إلى حد الآن، فكرة قيد الإعداد أكثر منها واقعًا قائمًا. فلا توجد مراكز رسمية معلنة، كما لم يُكشف عن اتفاقات نهائية مع دول محددة. ومع ذلك، جرى تداول أسماء دول مثل رواندا وأوغندا وأوزبكستان وكازاخستان ضمن النقاشات الأوروبية، في وقت تؤكد مصادر دبلوماسية أن كل ترتيب سيخضع لمفاوضات خاصة “بلدًا ببلد”.

وتثير هذه النقطة تحديدًا مخاوف قانونية وحقوقية واسعة. فالمعارضون يعتبرون أن نقل أشخاص إلى دول لا تربطهم بها أي علاقة شخصية أو قانونية قد يطرح إشكالات خطيرة، خاصة في ما يتعلق بضمان الحق في الطعن، والحصول على محامٍ ومترجم، والرعاية الصحية، واحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية. كما تخشى منظمات حقوقية أن تتحول هذه المراكز إلى فضاءات احتجاز خارج الرقابة الأوروبية المباشرة.

وتزداد هذه المخاوف بسبب طبيعة بعض الدول المحتملة لاستضافة هذه المراكز، إذ يُشار إلى أن عددًا منها لا يملك سجلًا قويًا في حماية الحقوق الأساسية. ويعتبر منتقدو المشروع أن الاتحاد الأوروبي قد يكون بصدد نقل جزء من مسؤوليته القانونية والسياسية إلى خارج حدوده، بدل معالجة أسباب تعثر سياسات العودة داخل أراضيه.

في المقابل، ترى دول أوروبية داعمة لهذا المسار، من بينها هولندا والدنمارك والنمسا وألمانيا، أن “مراكز العودة” يمكن أن تمثل أداة ضغط إضافية لتسريع الترحيل، كما يمكن أن تدفع بعض المهاجرين إلى قبول العودة الطوعية بدل انتظار الترحيل القسري. أما فرنسا، فقد أبدت موقفًا أكثر تحفظًا، بسبب الشكوك حول كلفة هذه الآلية ومدى قدرتها الفعلية على حل مشكلة العودة بشكل بنيوي.

ويشمل الاتفاق الأوروبي الجديد أيضًا إجراءات أخرى، من بينها إلزام الأشخاص المعنيين بقرارات العودة بالتعاون مع السلطات، وإمكانية تقليص بعض المساعدات أو فرض عقوبات في حال عدم الامتثال، إضافة إلى إنشاء “أمر عودة أوروبي” لتسهيل الاعتراف المتبادل بقرارات الترحيل بين دول الاتحاد.

ورغم أن الاتفاق يمثل خطوة سياسية مهمة، فإنه لا يدخل حيز التنفيذ النهائي إلا بعد المصادقة الرسمية عليه من قبل البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي، ثم نشره في الجريدة الرسمية للاتحاد. لكن الجدل الذي رافقه يكشف بوضوح أن أوروبا تتجه نحو مرحلة أكثر تشددًا في ملف الهجرة، وسط انقسام متزايد بين من يعتبر ذلك استعادة للسيطرة على الحدود، ومن يراه تهديدًا مباشرًا لضمانات الحماية والحقوق الأساسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *