تونس – [أيوب صيف الله]
بينما تستعد مختلف الجهات التونسية لإعطاء إشارة انطلاق موسم جني الزيتون (المحدد في 26 أكتوبر 2026)، يواجه “الذهب الأخضر” هذا العام معادلة دقيقة ومعقدة. فعلى وقع تراجع الإنتاج الوطني متأثراً بشبح التغيرات المناخية والشح المائي، تقف القدرة الشرائية للمستهلك التونسي على محك أسعار مرشحة للارتفاع، وسط مساعٍ حكومية وميدانية لحماية صغار الفلاحين والتحكم في وجهة التصدير لتثمين هذا المنتج الاستراتيجي.
تراجع الإنتاج… ومخاوف من ضغط الأسعار
تشير التقديرات الأولية للموسم الجديد (2026-2027) إلى تراجع ملحوظ في إنتاج البلاد من زيت الزيتون بنحو 40% مقارنة بالموسم الماضي. وفي هذا السياق، أوضحت رئيسة غرفة منتجي الزياتين بتونس، نجاة السعيدي، أن الإنتاج قد يتراجع إلى نحو 300 ألف طن، بينما ذهب رئيس جمعية “تونس الزيتونة”، فوزي الزياني، إلى تقدير الصابة في أفضل الحالات بـ 250 ألف طن، عازياً هذا الانكماش إلى التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية على المحصول.
هذا التراجع في وفرة المادة الأساسية انعكس فوراً على التكلفة الإنتاجية؛ إذ يتطلب استخراج لتر واحد من الزيت في بداية الموسم ما بين 9 إلى 12 كيلوغراماً من الحبات نتيجة تراجع المردودية. وحسب عضو المجلس الوطني للزيت، المولدي الرمضاني، فإن سعر الكيلوغرام من “الباز” (حبات الزيتون) يتراوح حالياً في المعاصر بين 9 و10 دنانير، بينما يتوقع أن يتراوح سعر لتر زيت الزيتون بين 12 و13 ديناراً داخل المعاصر بعد إضافة تكاليف العصر والتحويل الهيكلية.
المعاصر والإنتاج: من صفاقس والقيروان إلى ربوع البلاد
يتوزع هذا الموسم على خارطة إنتاجية واسعة تتصدرها صفاقس بتقليدها العريق وبنيتها التحتية وزراعاتها البعلية الواسعة (منطقة الشعال)، إلى جانب سيدي بوزيد التي تتصدر غالباً الإنتاج بفضل الزراعات السقوية. كما تسهم القيروان ومنطقة الساحل (المهدية، سوسة، والمنستير) بنسب معتبرة، بينما يتميز الشمال التونسي (باجة، تستور، تبرسق، الكاف، وسليانة) بإنتاج زيوت ذات خصائص فريدة وحموضة ونكهة قوية حازت جوائز عالمية، فضلاً عن إسهام الجنوب في الواحات والمناطق الجافة.
لكن هذا الثراء الإنتاجي لا ينفي وجود إشكاليات هيكلية، إذ أشار فوزي الزياني إلى أن ولاية صفاقس، رغم أهميتها، تواجه نقصاً في مجال تعليب زيت الزيتون البيولوجي عالي القيمة المضافة الموجه للتصدير، وهو ما يحدّ من الاستفادة القصوى من العوائد المالية.
القدرة الشرائية وسيف التصدير العالمي
تُعدّ أسعار زيت الزيتون في السوق المحلية رهينة لتجاذبات العرض والطلب دولياً ومحلياً. وهنا يحذر المولدي الرمضاني من أن توجيه الجزء الأكبر من الإنتاج للتصدير يجعل الأسعار رهينة السوق العالمية ومستويات الإنتاج لدى كبار المنافسين، مشيراً إلى أن إسبانيا تتجه لإنتاج نحو مليون و261 ألف طن هذا الموسم.
من جهته، حذر فوزي الزياني من محاولات خارجية لتبخيس أسعار الزيت التونسي عبر تمرير أرقام غير صحيحة، ومن وجود أطراف محلية تستفيد من خفض الأسعار للإضرار بالمنتجين. وتوقع الزياني أن ترتفع الأسعار تدريجياً بفعل الطلب الخارجي القادم من الولايات المتحدة وكندا، إضافة إلى أسواق الأردن والسعودية والعراق، داعياً إلى مساعدة المزارعين على التخزين الذاتي والتحكم في مسار بيع إنتاجهم لمواجهة ضغوط شراء الزيت عالي الجودة بأبخس الأثمان.
توجهات رسمية لحماية الفلاح والمستهلك
على الطابع الرسمي، يحظى موسم جني الزيتون بمتابعة دقيقة على أعلى مستوى في الدولة. وفي هذا السياق، أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال لقائه بوزير الفلاحة عز الدين بن الشيخ، على ضرورة اتخاذ تدابير عاجلة لإنجاح الموسم، مشدداً على أهمية ضبط سعر مرجعي يحفظ حقوق صغار الفلاحين ويحميهم من الاحتكار.
كما دعا الرئيس إلى زيادة طاقة استيعاب الديوان الوطني للزيت ودعم الاستثمار في مصانع تعليب الزيت الوطني، ليكون التصدير في قوارير وتحت علامة “صنع في تونس” عوضاً عن تصديره سائباً (صبة) للأجانب، بما يرفع من القيمة المضافة للاقتصاد الوطني وينعكس إيجاباً على التوازن الداخلي للأسعار.
بين مطرقة التغيرات المناخية وتراجع المحصول، وسندان الأسعار العالمية والقدرة الشرائية للمواطن، يبقى الرهان معقوداً على حسن إدارة التخزين، وتأطير المعاصر، وتعزيز مسار التعليب المحلي لضمان بقاء “مادّة الزيتون” مكسراً رابحاً للأمن الغذائي والاقتصادي التونسي معاً.
